ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على تكاليف المعيشة عالمياً من الوقود إلى الغذاء.. شظايا حرب إيران تحرق جيوب الناس

 ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على تكاليف المعيشة عالمياً من الوقود إلى الغذاء.. شظايا حرب إيران تحرق جيوب الناس




قفزة الطاقة ترفع الوقود والغذاء عالمياً

الشحن والطيران يزيدان الضغط على الأسعار


قد تكون تكلفة تعبئة الوقود لسيارتك ارتفعت بنحو 30% هذا الشهر، لكن هذا الارتفاع لا يمثل سوى جزء من موجة أوسع من الضغوط السعرية التي بدأت تتسلل إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، من الغذاء إلى السفر والخدمات.

تنطلق هذه الموجة من مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم، حيث يمر نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي والأسمدة. ومنذ اندلاع حرب إيران، تراجعت حركة الملاحة في المضيق بنحو 94%، ما أدى إلى اختناق الإمدادات وارتفاع الأسعار عالمياً.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذر من أن تعطّل الملاحة في هذا الممر الحيوي لا يبقى أزمة جيوسياسية، بل يتحول سريعاً إلى أزمة معيشية، قائلاً إن "عندما يُخنق مضيق هرمز، لا يستطيع أفقر الناس وأكثرهم هشاشة في العالم أن يتنفسوا".

صدمة الطاقة

يظهر الأثر الأول والأكثر وضوحاً في أسواق الطاقة، التي تمثل الحلقة الأساسية في هذه السلسلة. فمع تصاعد المخاطر على الإمدادات، قفزت أسعار النفط بأكثر من 50% منذ اندلاع الحرب، لتتجاوز 100 دولار للبرميل، في ظل اضطراب تدفقات الخام عبر الخليج.

كما امتدت الصدمة إلى أسواق الغاز، إذ ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال بنحو 60%، مع تعطل جزء من الإمدادات من المنطقة عقب الضربات التي طالت منشآت رئيسية، من بينها رأس لفان في قطر.

وقد بدأت هذه التداعيات تمتد إلى قطاع الكهرباء، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على الغاز في توليد الطاقة. ففي بعض الدول الأوروبية، سجلت أسعار الكهرباء ارتفاعاً بنحو 12%، مدفوعة بزيادة حادة في أسعار الغاز عقب اضطراب الإمدادات.

ويعكس ذلك آلية التسعير في أسواق الطاقة الأوروبية، حيث تنتقل أي زيادة في أسعار الغاز مباشرة إلى تكلفة الكهرباء، وهو ما دفع حكومات إلى إعادة النظر في سياسات الدعم، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الأسر والشركات.

ويُعزى هذا الارتفاع إلى مزيج من العوامل، أبرزها تعطل الشحن عبر مضيق هرمز، واستهداف البنية التحتية للطاقة، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ما دفع الأسواق إلى تسعير مخاطر نقص الإمدادات.

تشير تقديرات "بلومبرغ" إلى أن أسعار النفط قد تظل فوق 100 دولار للبرميل في حال استمرار الاضطرابات، مع احتمال صعودها إلى نطاق 120 دولاراً في سيناريوهات التصعيد، فيما يرجح أن تبقى أسعار الغاز مرتفعة لفترة أطول، مع استمرار الضغوط على الإمدادات العالمية.

الغذاء تحت الضغط

ينتقل أثر ارتفاع الطاقة مباشرة إلى القطاع الزراعي، الذي يعتمد بشكل كبير على الوقود في تشغيل المعدات ونقل المحاصيل، ما يرفع تكاليف الإنتاج.

كما تضيف زيادة تكاليف الشحن وأقساط التأمين ضغوطاً إضافية على أسعار السلع الغذائية المستوردة، في وقت تلعب فيه الأسمدة دوراً محورياً في هذه السلسلة، إذ يشير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" إلى أن نحو ثلث تجارتها المنقولة بحراً تمر عبر مضيق هرمز.

مع ارتفاع أسعار الأسمدة، تتزايد كلفة زراعة المحاصيل، وهو ما بدأ ينعكس بالفعل على الأسعار. فقد أظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء العالمي بنسبة 2.4% في مارس، مدفوعاً بزيادة أسعار عدد من السلع الأساسية.

وارتفعت أسعار الحبوب، بما فيها القمح، بنحو 4.3%، نتيجة تراجع المساحات المزروعة تحت ضغط ارتفاع تكاليف الأسمدة، فيما صعدت أسعار الزيوت النباتية بأكثر من 5.1% لتبلغ أعلى مستوياتها منذ 2022.

كما سجلت منتجات الألبان ارتفاعاً بنسبة 1.2% مع تقلص المعروض، خاصة في نيوزيلندا وأستراليا، بينما سجلت أسعار اللحوم زيادة بنحو 1% نتيجة تراجع أعداد الماشية.

ويعزز ذلك المخاوف من موجة تضخم غذائي جديدة، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، في حين يحذر صندوق النقد الدولي من أن هذه الضغوط قد تفاقم أزمة الأمن الغذائي، لا سيما في الدول منخفضة الدخل حيث تنفق الأسر ما يصل إلى نصف دخلها على الغذاء.

ارتفاع أسعار التذاكر

بدأت شركات الطيران حول العالم رفع أسعار التذاكر وفرض رسوم وقود إضافية، مع صعود تكاليف الطاقة واضطراب مسارات الرحلات.

قال المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي، ويلي والش، إن أسعار التذاكر قد ترتفع بنحو 9%، في ظل ارتفاع تكاليف الوقود، التي تمثل نحو ربع نفقات شركات الطيران.

وتبدو هذه الضغوط أكثر حدة لدى شركات الطيران منخفضة التكلفة، إذ رفعت بعضها أسعار التذاكر بنسبة تصل إلى 40%، كما زادت رسوم الوقود لتعويض ارتفاع التكاليف.

كما قفزت أسعار وقود الطائرات بنحو 106%، لتسجل مستويات قياسية مع تصاعد التوترات المرتبطة بحرب إيران واضطراب الإمدادات، حيث تشير بيانات "بلومبرغ" إلى أن الأسعار بلغت نحو 1700 دولار للطن.

وفي الشرق الأوسط، تواجه شركات الطيران اضطرابات تشغيلية واسعة، مع إلغاء آلاف الرحلات وإجلاء مسافرين، في وقت تجري فيه شركات كبرى مثل الخطوط الجوية القطرية، و"طيران الخليج" و"فلاي دبي" و"العربية للطيران"، مراجعات لخفض التكاليف والحفاظ على السيولة وسط خسائر يومية، بحسب تقارير لـ"بلومبرغ".

ولا تقتصر الضغوط على الأسعار، إذ تدفع قيود الأجواء وإعادة توجيه الرحلات إلى زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود، ما يرفع التكاليف التشغيلية، في وقت يظل فيه الطلب على السفر قوياً، ما يعزز الضغوط السعرية.

كلفة الشحن تضغط على السلع العالمية

تمتد هذه الضغوط إلى قطاع الشحن الجوي والبحري، الذي يمثل شرياناً أساسياً لتدفق السلع حول العالم. فقد قفزت تكاليف الشحن الجوي بنسب تصل إلى 70% على بعض المسارات، في ظل إغلاق مجالات جوية واضطرار الطائرات إلى تغيير مساراتها، ما يقلص السعة ويرفع الكلفة.

في الوقت ذاته، ارتفعت تكاليف الشحن البحري بنحو 40%، مدفوعة بزيادة أسعار الوقود وقفزة أقساط التأمين على السفن إلى نحو خمسة أضعاف، مع تصاعد المخاطر في الممرات الحيوية، فضلاً عن فرض رسوم إضافية على الحاويات المتجهة إلى المناطق المتأثرة بالحرب.

تؤدي هذه الاضطرابات في سلاسل التوريد إلى رفع تكاليف الإنتاج عالمياً، مع تسجيل زيادات في أسعار المدخلات الصناعية وتأخيرات في التسليم، ما يدفع الشركات إلى نقل هذه التكاليف تدريجياً إلى المستهلك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"متكو القابضة" شريك استراتيجي لسايبرثون لتمكين الشباب لمهارات الأمن السيبراني

" الإنشاءات البحرية" و"ماريدايف" تؤسسان "ون مارين" لتقديم الخدمات البحرية المتكاملة

"الأهلي" و ABK Wealth Management حصدا 4 جوائز مرموقة من إنترناشيونال فاينانس لعام 2025